محمد جمال الدين القاسمي

200

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

السلام كذا ، بل ربما قالوا : وفي قراءة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كذا ، يظهر من الاختلاف المذكور في قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين . والحاصل أنهم يجعلون قراءة القراء قسيمة لقراءة المعصومين . فكيف تكون القراءات السبع متواترة عن الشارع تواترا يكون حجة على الناس ؟ ومنها : ما ذكره السيد المذكور أيضا من أن قراءات السبع استندوا بالقراءات بآرائهم ، وإن أسندوا بعض قراءاتهم إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا يجوز أن يدعي تواتر قراءاتهم . وذلك لأن المصحف الذي وقع إليهم خال من الإعراب والنقط . كما هو الآن موجود في المصاحف التي هي بخط مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده . وقد شاهدنا عدة منها في خزانة الرضا عليه السلام . نعم ذكر جمال الدين السيوطيّ في كتابه الموسوم ب « المطالع السعيدة » : أن أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفا واحدا في خلافة معاوية . وبالجملة : لما وقعت إليهم المصاحف على ذلك الحال تصرفوا في إعرابها ونقطها وإدغامها وإمالتها ونحو ذلك من القوانين المختلفة بينهم على ما يوافق مذهبهم في اللغة والعربية ، كما تصرفوا في النحو ، وصاروا إلى ما دوّنوه من القواعد المختلفة . قال محمد بن بحر الرهنيّ : « إن كل واحد من القراء قبل أن يتجدد القارئ الذي بعده كانوا لا يجيزون إلا قراءته ، ثم لما جاء القارئ الثاني انتقلوا عن ذلك المنع إلى جواز قراءة الثاني ، وكذلك في القراءات السبع ، فاشتمل كلّ واحد على إنكار قراءته ، ثم عادوا إلى خلاف ما أنكروه ، ثم اقتصروا على هؤلاء السبعة ، مع أنه قد حصل في علماء المسلمين والعالمين بالقرآن أرجح منهم ، مع أنّ في زمان الصحابة ما كان هؤلاء السبعة . . . إلخ » . ومنها : ما ذكره الرازيّ في تفسيره الكبير فإنّه قال : « اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر ، وفيه إشكال ، وذلك لأنا نقول هذه القراءات ، إمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر ، أو لا تكون ، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ الله قد خيّر المكلفين بين هذه القراءات وسوّى بينها بالجواز ، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على بعض واقعا ، على خلاف الحكم الثالث بالتواتر ، فيجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للفسق إن لم يلزمهم الكفر ، كما ترى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القراء يختصّ بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليه ويمنعهم عن غيره . وأمّا إن قلنا : إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ، بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع وذلك باطل بالإجماع » . ثمّ قال : « ولقائل أن يجيب عنه